: خيار فعال

بقلم جوناثان كتّاب

فرضت أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001




جديداً يتطلب من السلطة الفلسطينية التخلي عن مظاهر النضال المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي، بل وحتى مكافحة هذه المظاهر. وفي واقع الأمر، فإن السلطة الفلسطينية أعلنت موافقتها على وقف إطلاق النار من طرف واحد، وصرح الرئيس الفلسطيني عرفات بأن الفلسطينيين لن يطلقوا النار حتى إذا أطلقت النار عليهم. إضافة إلى ذلك، أعلن عدم قانونية جميع الأجنحة العسكرية التابعة للتنظيمات، كما أنه يحاول تطبيق تلك السياسة في وجه الاستفزازات الشديدة الوضوح من جانب إسرائيل بما في ذلك سياسات الاغتيال واقتحام المناطق الفلسطينية. وإذا كان "وقف إطلاق النار" لم يكتب له الصمود، فذلك لا يعزى إلى نقص في الجهود التي تبذلها السلطة الفلسطينية في هذا الاتجاه.

فهل هذا الأمر يعني نهاية المقاومة للاحتلال والإذعان للمحاولات المتواصلة لإخضاع الفلسطينيين، أم أن هناك سبيلاً آخر أمام شعب مضطهد لمواصلة نضاله؟ بالنسبة إلى أولئك الذين لا يفكرون إلا من منطلق النضال المسلح، فإنها بلا شك إشكالية مثيرة للإحباط: إما الرضوخ للضغوط وقبول الاحتلال أو مواصلة المقاومة المسلحة، التي قد يكون لها نتائج عكسية وضارة بالقضية.

مع ذلك، فإنه ينبغي عدم النظر إلى أن هذا الأمر يمثل إشكالية حقيقية للشعب الفلسطيني. فالطريق الآن مفتوح على مصراعيه للشروع في حملة واسعة من المقاومة اللاعنفية للاحتلال. ومن الواضح بأن دروس الماضي، بما فيها دروس الانتفاضة الثانية ، تؤيد هذه الرؤية.

قبل كل شيء، إن الفلسطينيين لم يكونوا قط، ومن غير المرجح، أن يكونوا مثيلاً للإسرائيليين من حيث وحشية العنف والقوة النارية المستخدمة. ففي حين أظهرت هذه الانتفاضة بأنهم قادرون على إلحاق الخسائر بالجانب الآخر وجعل الكثير من المستوطنات النائية غير آمنة، إلا أنه لا أمل لهم في إمكانية إيقاع الهزيمة بالمحتل الإسرائيلي من خال مجابهة عسكرية مفتوحة، سواءاً لوحدهم أو حتى بدعم من الجيوش العربية. بل على العكس من ذلك، فإن الحرب المفتوحة توفر المبرر لإسرائيل لاستخدام المنظومة الكاملة لقوتها العسكرية، كما أنها توحد الرأي العام الإسرائيلي وراء المستوطنين والاتجاه اليميني. وهي أيضا تضع الفلسطينيين في إشكالية لا مخرج لها، فكلما أوقعوا المزيد من الإصابات بين الإسرائيليين، كلما ضعف احتمال تحقيق نتائج سياسية على الصعيد الدولي، وبدوره فسيقل الضغط على إسرائيل للتسليم بالمطالب العادلة للشعب الفلسطيني.

وعلى نقيض ذلك، فإن الأساليب الفلسطينية غير المسلحة التي اتبعت خلال الانتفاضة الأولى، حيدت بصورة فعالة تفوق الجيش الإسرائيلي وأحدثت شرخا عمودياً في الرأي العام الإسرائيلي. وولدت تلك الأساليب أيضا ضغطا دولياً فعالاً لصالح القضية الفلسطينية، وساهمت في فرض صورة للنضال الفلسطيني مغايرة للصور النمطية البغيضة.

والأهم من ذلك، فإن استخدام الأساليب اللاعنفية أتاح لجميع قطاعات المجتمع الفلسطيني المشاركة في المقاومة بحيث لم يعد مقتصراً على مجموعة صغيرة من المسلحين، مما أطلق الطاقات الخلاقة للشعب في نضال رائع وموحد للصفوف ورافع للمعنوية ومليء بالأمل والفرص. ومن غير شك فقد حدثت إصابات عديدة والكثير من المعاناة، ولم ينته الإحتلال؛ كما لم تنهيه أيضاً الانتفاضة الحالية والتي قدمت الكثير من الشهداء والكثير من المعاناة. ولكن الفرق هو في الكفاح اللاعنفي الذي أبرز عدالة قضيتنا، التي تعتمد على المبادئ الأخلاقية والتضامن الدولي والقانون الدولي وليس على القوة الوحشية والتفوق العسكري الكاسح. وعليه فإن الإصرار اقتصار النضال على المجال العسكري هو خيار أحمق بصورة مزدوجة لأنه من ناحية يجردنا من أفضلياتنا الطبيعية ومن ناحية أخرى يبقي النزاع في ميدان العنف العسكري حيث يتمتع العدو بتفوق هائل.

لماذا إذن، لا تنتقل السلطة الفلسطينية إلى النضال اللاعنفي؟ اعتقد أن لذلك عدة أسباب:

أولا، في حين أننا كشعب غالباً ما استعملنا المقاومة والأساليب اللاعنفية، إلا أن لغة وفلسفة اللاعنف بقيا غير معروفين إلى حد كبير في مجتمعاتنا وأدبياتنا السياسية. وعلى الرغم من أن معظم نضالنا ضد الاحتلال كان سياسيا، فقد تم استخدام تلك الأساليب اللاعنفية من مثل الإضراب، والتظاهر، وكسب الرأي من خلال الدفاع عن حقوق الإنسان، ورفض التعاون، والمقاطعة، والإصرار على إظهار الرموز الوطنية، والمقاومة غير المسلحة لمصادرة الأراضي. وحتى إلقاء الحجارة، والذي يمكن أن يعتبر أمراً مؤذيا ولذلك عنيفاً، فإنه استخدم باعتباره شكل من أشكل التمرد ورفض الاحتلال وليس كسلاح جدي. انظروا مثلا، كيف استخدمه أدوارد سعيد في جنوب لبنان. ومع ذلك فإننا لم نسعى قط إلى تعريف هذه الأساليب بدقة على أنها أساليب مقاومة لاعنفية.

وعلى نقيض ذلك، نحن أعزّينا وأعلينا شأن لغة "البارودة" وجعلناها مركزية لثقافتنا السياسية رغم أن الأغلبية الساحقة من الشعب الفلسطيني لم تحمل سلاحاً قط. وكان من شأن وجود السلطة الفلسطينية بتجاربها في لبنان والتركيبة التقليدية للنظام العربي، أن ضخم هذا الاتجاه وأوحى بحماقة أن لدينا الآن في الواقع قوة عسكرية وخيارا عسكريا.

إضافة إلى ذلك، هناك سوء فهم للكيفية التي يعمل فيها اللاعنف. إن المقاومة اللاعنفية لا تضمن بأن الجانب الآخر سيمتنع عن اللجوء إلى العنف أو أنه لن تكون هناك إصابات. إنها ببساطة توجد نموذجا جديدا وتستخدم "مصارعة يابانية اخلاقية" لإلحاق أذى بالعدو وجعل قوته العسكرية المتفوقة تتحول ضده بينما يعامل بوحشية خصما لا يستخدم العنف.

فالعقبة الرئيسية التي تمنع الفلسطينيين من أن يتبنوا على نطاق واسع الانتشار استراتيجية لاعنفية، هو الخلط بين أوساط الجمهور بين اللاعنف والسلبية والجبن والرضوخ للظلم. وعلى أرض الواقع، فإن اللاعنف يتطلب شجاعة أكبر وانضباطاً أكبر وتدريباً وتضحية، ويمكن أن يكون أكثر نضالاً وأكثر تفاعلية. ولذلك، بينما تستجيب السلطة الفلسطينية إلى الواقع الجديد بتعليقها مظاهر المقاومة المسلحة المشروعة أو مكافحتها، فإنها تحسن صنعا بأن تنظر في خيار المقاومة اللاعنفية. وإذا لم تفعل ذلك، فعندئذ يمكن لابن الشارع الفلسطيني اعتبار النضال اللاعنفي البديل الوحيد القابل للنجاح، بحكم أن الرضوخ للاحتلال القائم ليس خياراً.

جوناثان كتاب هو محام فلسطيني مقره القدس.

هذا المقال هو جزء من سلسلة مقالات عن آراء في اللاعنف نشرت بالاشتراك مع خدمة

Common Ground الإخ






مقالات

قرية رعوت-صداقة