اوري افنيري
2.2.2002
كسر الرأس
قبل سنوات عديدة، اهتممت بفرع من الفروع العسكرية يسمى "الحرب النفسية"، حيث يكرس له كافة جيوش العالم موارد كبيرة.
الحرب النفسية هي عكس الاعلام. ففي حين يهدف الاعلام الى اقناع الطرف الاخر اننا على حق، تشكل الحرب النفسية أداة حربية مثل سلاح الجو والقوات المدرعة. لجميع هذه الامور نفس الهدف: كسر معنويات العدو واجباره على الانصياع لما نملي عليه.
لتحقيق هذا الهدف، تستخدم هذه الذراع وسائل نفسية لتفكيك وحدة العدو وزرع الشكوك وعدم الولاء بين صفوفه. ان المهمة الرئيسية هي كسر معنويات زعيم العدو وزعزعة الولاء له وزرع الكره له بين صفوف مقاتليه ومواطنيه ومؤيديه في العالم.
كيف يكون هذا؟ تفصل الكتب الارشادية هذه الاساليب:
زعيم العدو هو مفسد. انه يرسل المقاتلين الى الموت في حين يتمتع هو بحياته. انه ينهب اموال الشعب ويخبئها في حسابات في الخارج، ورجاله هم زمرة من السارقين الذين يتمتعون بحياة صاخبة ويتنقلون بين الفنادق الفاخرة في العالم في حين يرزخ الشعب تحت طائلة الجوع. الزعيم هو انسان محتقر ومقيت وقاس وضعيف ومستبد وبائس ووضيع.
ويعاودون سرد هذه القصص آلاف المرات ويزرعونها في وسائل اعلام عالمية تبدو "محايدة" لكي تعود اليهم من مصادرة "غير منحازة".
يبدو هذا الامر معروفا، اليس كذلك؟
بالطبع. كل "الاعلام" الاسرائيلي تقريبا، منشغل منذ سنوات بشيطنة رجل واحد: ياسر عرفات. لقد تم تنفيذ كافة وسائل الحرب النفسية الكلاسيكية مع اضافة عدة اختراعات اسرائيلية اصلية، لتحقيق هذا الهدف الوحيد. ليس ضد الفلسطينيين وحتى ليس ضد الزعامة الفلسطينية، انما ضد ياسر عرفات لشخصه.
لا يكترث منفذو هذه الحملة بكون عرفات لطيفا او غير لطيف، حسن المظهر او قبيحا، يرنو الى السلام او يتوق الى الحرب، انسانا مستقيما او قاطع طرق. من الممكن جدا ان شارون معجب به اشد الاعجاب في خفايا قلبه. (لقد طلب مني شارون عام 1976، ان ارتب لقاء معه، لكي يعرض عليه منصب رئيس دولة فلسطينية عبر الاردن). هذا الامر لم يثنه هذا الاسبوع ان يصرح بأسفه على انه لم ينجح في قتله في بيروت. يُنظر الى عرفات على انه هدف لسبب واحد فقط: انه رأس الشعب الفلسطيني. وتدمير هذا الرأس سيؤدي الى تقويض الجهاز العسكري الفلسطيني برمته. ان الولاء للزعيم، خلال الحرب وخاصة خلال حرب تحرير وطنية، هو مركب حيوي للوقوف بصمود امام قوة هائلة. وبدون هذا الولاء سيتفتت المعسكر ليصبح شظايا. الف صاروخ لن يفعل ذلك.
لقد حققت هذه المعركة على الحلبة الاسرائيلية والدولية نجاحا باهرا. لقد تم نشر الرواية حول عرفات المفسد، الذي يتزعم "سلطة فاسدة"، في حين تحيط به عصابة من السارقين، في العالم بمنهجية لا تضعف قوتها، حتى ان المصطلحات: "السلطة الفلسطينية" و"عرفات" و "الفساد" اصبحت مصطلحات مترادفة. ويمكننا في هذه الايام قياس النجاح. لو حبسوا عرفات في رام الله قبل عشر سنوات، لكانت ستهب مظاهرات صاخبة في كافة العواصم الاوروبية، ولكانت صور عرفات ترفع في هذه المظاهرات وتصحبها صور تشي جيفارا ونلسون منديلا. اين هم الان؟
وقد كان النجاح داخل اسرائيل اكبر بكثير. كره عرفات اصبح يوحد كافة فئات الشعب، بداية باليمين المتطرف وحتى اليسار الممأسس. لقد افاد احد البحوث بان 284 مقالة من اصل 300 مقالة كتبها "يساريون" احتوت على قذف بحق عرفات. وكما يفعل المسيحيون الذين يرسمون اشارة الصليب عند دخولهم الى الكنيسة، يجب على "اليساري" العادي الاعلان بـ "انني اؤيد السلام مع الفلسطينيين الا انني اكره عرفات المفسد"، "ان الانتفاضة على حق، الا ان نظام السلطة الفاسدة لدى عرفات يجب التخلص منها". انه نوع من الضريبة تدفع للاجماع الشعبيي. لا يدرك كاتبو هذه الاقاويل انهم يخدمون بالطبع معركة كسر الشعب الفلسطيني في النقطة الحاسمة.
يمكن التطرق الى عرفات بالايجابية او بالسلبية. يمكن انتقاد عرفات من عدة نواح. انه ليس شخصية رومانسية مثل تشي جيفارا (الذي مات بظروف قاتمة) او نلسون منديلا (الذي كانت مهمته اسهل بكثير من مهمة عرفات). انه ليس نجما تلفزيونيا. انه زعيم الشعب الفلسطيني فقط وقد انتخب باغلبية عظمى في انتخابات حرة خضعت لمراقبة جيمي كارتر. لا يتعدى الفساد في السلطة الفلسطينية ذلك الذي يسود في مصر والاردن، وهو اقل من السائد السائد في الولايات المتدة (فضيحة اغرون)، وفرنسا (فضيحة شيراك) والمانيا (فضيحة كوهل) واسرائيل (شاس). في خضم حرب تحرير يمكن تأجيل هذه الظاهرة.
الفلسطينيون انفسهم يفهمون ذلك جيدا. لقد تبين الان ان الغاية الرئيسية من الحرب النفسية فشلت تماما لدى الجمهور الفلسطيني. شارون يظن بان حبس عرفات في رام الله سيظهره كإناء فارغ، "خرقة"، "غير مناسب" ويمكن بالتالي تبديله بمجموعة من المتعاونين. الا انه قد حدث العكس: لقد تكتل الشعب الفلسطيني ليحيط عرفات في الساعة الحاسمة، ابتداء من الشيخ ياسين وانتهاء بافراد الجبهة الشعبية. حتى تذمر بعض المثقفين الفلسطينيين الذين خدموا عن غير قصد مصالح الحرب النفسية الاسرائيلية، هذا التذمر قد صمت.
لقد تم تنفيذ هذه الاساليب ضد تشرتشل وكاسترو الا انها لم تسقطهما. ولن تسقط، على ما يبدو، عرفات ايضا. انها مضيعة للوقت.